محمد الريشهري
14
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
المكيدة ، وراحوا ينسجون المؤامرة تلو الأُخرى مكراً بهذا الدين . وهذا واقع معروف لا يستريب به من له أدنى معرفة بالتاريخ الإسلامي . أفيجوز بعد هذه المواجهات الحادّة والصراع المرير مع اليهود والقبائل المشركة وبقيّة القوى المعادية ( 1 ) ، أن يجنح بنا الخيال فنتصوّر بأنّ هؤلاء ركنوا إلى الهدوء ، وجنحوا إلى السلم ، ولم يعُد لهم شأن بالإسلام ودعوته ؟ ! وهل يصحّ لسياسيّ فطن ، ولقائد كيّس وبصير أن يُغضي عن كلّ هذا الواقع العدائي المتشابك من حول دعوته ، ثمّ يمضي من دون أن يدبّر لحركته الفتيّة برنامجاً يصونها ويؤمّن لها المستقبل ؟ ثمّ هل يكون رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قائداً خاض جميع هذه المواجهات ، ثمّ يتصوّر أنّ أُمّته امتلكت من الصلابة ما يُحصّنها من جميع هذه المكائد والأخطار ، بحيث لم يعُد يخشى عليها من أحابيل هؤلاء ، وإنّ مكر هؤلاء وقوّتهم قد تلاشت ولم تعُد تؤلّف خطراً ذا بال ؟ ! 2 - السلبيّة إزاء المستقبل العنصر الثاني الذي يمكن أن يوجّه الفرضيّة الأُولى ويقدّم لها تفسيراً منطقياً ، هي أن نفترض أنّ النبيّ القائد يدرك الأخطار التي تحفّ دعوته ، ويتطلّع إلى أهميّة المستقبل بنحو جيّد ، لكنّه مع ذلك لا يحاول تحصين الدعوة ضدّ تلك الأخطار ، لأنّه يرى أنّ رسالته تنتهي بحياته ، وهو يتحمّل مسؤوليّتها ما دام حيّاً ، فإذا لم يعُد بين الناس ، ولم يكن ثمّ خطر يتهدّد حياته ، وإنّ ما يمكن أن تتعرّض له الدعوة من بعده لا يتعارض مع مصالحه الشخصيّة - وحاشاه - فلماذا يُبادر لحمايتها وتأمين مستقبلها ؟ بل لِيدعها والأُمّة التي ترتبط بها بانتظار المصير
--> ( 1 ) راجع : كتاب " المواجهة مع رسول الله " ، الباب الأوّل ، الفصل الرابع والخامس .